فصل: سنة ست وسبعين ومئة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العبر في خبر من غبر (نسخة منقحة)



.الشيخ العارف بالله: محمد بن عبد الرحمن:

المتقدم ذكره أخلف والده في: هديه وسمته ودله وإفتائه وجميع أحواله المرضية السنية ونفع الله به خلقا كثيرا إلى أن توفي – رحمه الله – في سنة 1258، وله من العمر ثمانية وأربعون سنة وله من الكرامات والمكاشفات ما لا يحصى وكان غاية في إطلاق اللسان يكتب الجوابات من غير مراجعة لكتب المذهب لسعة ملكته.
ولما توفي قام مقامه أخوه: السيد العلامة: عبد الباقي – رحمه الله.

.السيد: محمد بن إبراهيم الوزير بن علي بن المرتضى ابن المفضل الحسني القاسمي الهادوي.

الإمام العلامة والمحدث الأصولي النحوي المتكلم الفقيه البليغ الرحلة الحجة السني الصوفي كان فريد العصر ونادرة الدهر خاتمة النقاد وحامل لواء الإسناد وبقية أهل الاجتهاد بلا خلاف وعناد رأسا في المعقول والمنقول إماما في الفروع والأصول.
يقول واصفه في وصفه: كشاف أصداف الفرائد قطاف أزهار الفوائد فاتح أقفال اللطائف مانح أنفال الظرائف مصيب شواكل المشكلات بنوافذ أنظاره ومطبق مفاصل المعضلات بصوارم أفكاره مضحك كمائم النكت من نوادره ومفتح أنظار الظرف في موارده ومصادره عز الدين محيي سنة سيد المرسلين فلان الحسني نسبا على السماك عاليا والسني مذهبا إلى الصواب هاديا... إلى آخر ما ذكره في ترجمته.
وبالجملة: كان مولده في شهر رجب سنة 775، في شطب: وهو جبل عال باليمن هكذا نقلته من خطه وحفظته من غيره من الأهل.
وله مصنفات عديدة ومجموعات مفيدة منها: كتاب: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم أربعة أجزاء في الرد على الزيدية اشتمل من الفوائد على ما لم يشتمل عليه كتاب وكتاب: البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع ألفه في سنة 801 ومختصر جليل في علم الأثر ألفه بعد اطلاعه على نخبة الفكر سماه: تنقيح الأنظار في علوم الآثار صنفه في آخر سنة 813 ومنها: الروض الباسم مختصر: العواصم والقواصم وكتاب: التأديب الملكوتي مختصر فيه العجائب والغرائب وكتاب: العزلة وقبول البشرى بالتيسير لليسرى وكتاب إيثار الحق على الخلق صنفه في سنة 837 إلى غير ذلك – وغالبها عندي موجود ولله الحمد – وله ديوان شعر سماه: مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق وشرحه سماه: بفتح الخالق والحسام المشهور في الذب عن الإمام المنصور.
وقد ذكر له الحافظ: ابن حجر العسقلاني في كتابه: الدرر الكامنة ترجمة حافلة وأثنى عليه ثناء كثيرا جميلا لم يثن بمثله أحدا توفي – رحمه الله – في الطاعون الذي وقع في اليمن شهيدا في سنة 840 فكان جملة عمره: ستا وستين سنة.

.السيد العلامة بدر الملة النير المؤيد بالله: محمد ابن الإمام المتوكل على الله: إسماعيل بن صلاح الأمير الصنعاني اليمني.

وهو: الإمام الكبير المحدث الأصولي المتكلم الشهير قرأ كتب الحديث وبرع فيها وكان إماما في الزهد والورع يعتقده العامة والخاصة ويأتونه بالنذور فيردها ويقول: إن قبولها تقرير لهم على اعتقادهم أنه من الصالحين وهو يخاف أنه من الهالكين.
حكى بعض أولاده: أنه قرأ – وهو يصلي بالناس صلاة الصبح-: {هل أتاك حديث الغاشية} فبكى وغشي عليه وكان والده: ولي الله بلا نزاع من أكابر الأئمة وأهل الزهد والورع استوى عنده الذهب والحجر وخلف أولادا هم أعيان العلماء والحكماء وأعظمهم ولده هذا.
قال الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي الشافعي – في ذخيرة الآمال في شرح عقد جواهر اللآل-: الإمام السيد المجتهد الشهير المحدث الكبير السراج المنير: محمد بن إسماعيل الأمير مسند الديار ومجدد الدين في الأقطار صنف أكثر من مائة مؤلف وهو لا ينسب إلى مذهب بل مذهبه: الحديث.
قال: أخذ عن علماء الحرمين واستجاز منهم وارتبط بأسانيدهم وقرأ على الشيخ: عبد الخالق بن الزين الزجاجي والشيخ عليه واستجاز منه وأسند عنه مع تمكنه من علوم الآل وتأصله. انتهى. على ما نقله السيد: حامد حسين المعاصر في كتابه: عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار.
ومن شيوخه: الشيخ: عبد القادر بن علي البدري والشيخ: محمد طاهر بن إبراهيم الكردي والشيخ: سالم بن عبد الله البصري وغيرهم.
وتتلمذ عليه أيضا خلق كثير منهم: الشيخ: عبد الخالق المزجاجي الزبيدي وهو أيضا أستاذه – كما تقدم – وأيضا ولده: السيد العلامة: عبد الله بن محمد الأمير وغيرهما.
له مصنفات جليلة ممتعة تنبئ عن سعة علمه وغزارة اطلاعه على العلوم النقلية والعقلية وكان ذا علم كبير ورياسة عالية وله في النظم اليد الطولى بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ولم يقلد أحدا من أهل المذاهب وصار إماما كاملا مكملا بنفسه وقد من الله تعالى علي بأكثر مصنفاته وهي أزيد من أن تذكر.
منها: سبل السلام شرح بلوغ المرام وهو عندي بخط ولده: السيد: عبد الله وفيه خطه الشريف أيضا.
ومنها: منحة الغفار حاشية ضوء النهار وإسبال المطر على قصب السكر وجمع التشتيت في شرح أبيات التثبيت وتوضيح الأفكار في شرح تنقيح الأنظار إلى غير ذلك من الرسائل والمسائل التي لا تحصى وكلها فريدة في بابها خطيبة في محرابها حج وزار واستفاد من علماء الحرمين الشريفين وغيرهم من فضلاء الأمصار فهو أكرم من أن يصفه مثلي وقفت له على قصائد بديعة ونظم رائق وكان له صولة في الصدع بالحق واتباع السنة وترك البدعة لم ير مثله في هذا الأمر وهو من مشائخي في سند الكتب الحديثة على ما صرحت به في سلسلة العسجد من ذكر مشائخ السند وقد ذكرت له ترجمة في كتابي: إتحاف النبلاء ونقلها عنه: السيد المعاصر: حامد حسين في العبقات على تشيعه فلا نطول الكلام هاهنا بذكر ذلك الإملاء.
توفي – رحمه الله – في سنة 1182.
وخرج في زمانه الشيخ: محمد بن عبد الوهاب النجدي الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية فنظم قصيدة في ذلك وأرسلها إليه وأثنى على طريقته ثم لما سمع أنه يكفر أهل الأرض ويسفك الدماء رجع عما كان قاله في قصيدته – كما سيأتي ذلك مفصلا في ترجمة: محمد بن عبد الوهاب – وكان له – رحمه الله – أولاد صلحاء تقدم تراجمهم في هذا الكتاب وقد أثنى عليه ولده: السيد: عبد الله في إجازة كتبها للشيخ المحدث شيخنا: عبد الحق بن فضل الله المحمدي الهندي المتوفى بمنى سنة ألف ومائتين وثمان وثمانين الهجرية القدسية قال فيه:
سمع مني حصة من صحيح الإمام البخاري وقد من الله علي بالمثول بين يدي أئمة السنة النبوية والسماع منهم للآثار والأحاديث المصطفوية منهم: والدي وشيخي ناصر السنة مجدد المائة الحادية عشر – رضي الله عنه- الخ.
والشيخ: عبد الحق المحمدي قد تتلمذ على شيخ شيوخنا: الشوكاني وكتب له إجازة بخطه الشريف يقول فيها:
إني أجزت للشيخ العلامة أي: الفضل بن عبد الحق بن الشيخ العلامة: محمد فضل الله المحمدي الهندي – كثر الله تعالى بمنه وكرمه فوائده ونفع بمعارفه – ما اشتمل عليه هذا الثبت الذي جمعته وسميته: إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر فليرو عني ما اشتمل عليه من كتب الإسلام على اختلاف أنواعها كما يراه فيه وهو أهل لما هنالك ولم أشترط عليه شرطا فهو أجل من ذلك وأعلى حرر يوم الجمعة بتاريخ 10 جمادى الآخرة سنة 1238 كتبه: محمد بن علي الشوكاني. انتهى.
وقد أتحفني شيخي عبد الحق بكتاب شيخه الشوكاني: إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر ولي أسانيد أخرى إلى الشوكاني كما يلوح من: الحطة وإتحاف النبلاء وسلسلة العسجد – ولله الحمد وله المنة.

.الشيخ: محمد بن عبد الوهاب:

ابن سليمان بن علي بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف صاحب نجد الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية وهذا هو المعروف من نسبه ويذكر أنه من مضر ثم بني تميم.
ولد سنة 1115، بالعينية: من بلاد نجد ونشأ بها وقرأ القرآن وسمع الحديث أخذ عن أبيه وهم بيت فقه حنابلة ثم حج وقصد المدينة المنورة ولقي بها شيخا عالما من أهل نجد اسمه: عبد الله بن إبراهيم قد لقي أبا المواهب البعلي الدمشقي وأخذ عنه ثم انتقل مع أبيه إلى جريمل: قرية من نجد أيضا ولما مات أبوه رجع إلى العينية وأراد نشر الدعوة فرضي أهلها بذلك ثم خرج عنها بسبب إلى الدرعية وأطاعه أميرها: محمد بن سعود من آل مقرن يذكر أنهم من بني حنيفة ثم من ربيعة وهذا في حدود سنة 1206.
وانتشرت دعوته في: نجد وشرق بلاد العرب إلى عمان ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلا في حدود المائتين والألف.
وتوفي سنة 1209.
قال الشيخ الإمام العلامة: محمد بن ناصر الحازمي الآخذ عن شيخ الإسلام: محمد بن علي الشوكاني: هو رجل عالم متبع الغالب عليه في نفسه الاتباع ورسائله معروفة وفيها المقبول والمردود وأشهر ما ينكر عليه خصلتان كبيرتان:
الأولى: تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها وقد أنصف السيد الفاضل العلامة: داود بن سليمان في الرد عليه في ذلك.
الثانية: التجاري على سفك الدم المعصوم بلا حجة ولا إقامة برهان وتتبع هذه جزئيات ذكر السيد المذكور بعضها وترك كثيرا منها وهي حقيرة تغتفر مع صلاح الأصل وصحته. انتهى.
وللعلامة الفاضل: حسين بن غنام اليمني قصيدة بديعة رد فيها على محمد بن فيروز في قصيدة لم يكفر فيها أهل نجد ويحث الناس على قتالهم فأجاب عليه بالقصيدة المذكورة أولها:
على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ** عروس هوى ممقوتة زارت الشطا

وللإمام العلامة: عبد الله بن عيسى بن محمد الصنعاني كتاب سماه: السيف الهندي في إبانة طريقة الشيخ النجدي ألفه في سنة 1218، قال فيه:
كان مبتدأ أمره في بضع وستين ومائة وألف خرج محمد بن عبد الوهاب الحنبلي فنزل بمحلة الشيخ: عبد العزيز النجدي وكان أهل تلك المحلة قوم أعراب مضيعين لأركان الإسلام وهؤلاء أهل اليمامة فلما حل الشيخ: محمد – المذكور – ما زال يدعوهم إلى التوحيد ويعلمهم الشرائع من الصلاة والصيام وغير ذلك والشيخ: عبد العزيز بن محمد النجدي: أول من تابعه وأسلم على يديه.
ثم لما تم للشيخ ابن عبد الوهاب ما أراد في تلك القرى المجاورة للدرعية: وهي قرية الشيخ: عبد العزيز واجتمع على الإسلام معه عصابة قوية صاروا يدعون من حولهم من القرى بالرغبة والرهبة ويقاتلون من حولهم من الأعراب.
ثم لما تمكن في قلوبهم الإسلام – وهم عرب أغنام – قرر لهم: أن دعا من غير الله أو توسل بنبي أو ملك أو عالم فإنه مشرك شاء أو أبى اعتقد ذلك أم لا.
وتعدى ذلك إلى تكفير جمهور المسلمين وقد قاتلهم بهذا الوجه الذي أبداه وقد وقفت على رسالة لهم في هذا الشأن وقد كان المولى العلامة السيد: محمد بن إسماعيل الأمير بلغه من أحوال هذا النجدي ما سره فقال قصيدته المشهورة:
سلام على نجد ومن حل في نجد ** وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

ثم لما تحقق الأحوال من بعض من وصل إلى اليمن وجد الأمر غير صاف عن الإدغال وقال:
رجعت عن القول الذي قلت في النجد ** فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي

ونقلت من خط العلامة وجيه الإسلام: عبد القادر ابن أحمد بن الناصر ما صورته في ذي القعدة سنة 1170، سنة وصل إلينا الشيخ الفاضل: مربد بن أحمد بن عمر التميمي النجدي الجريملي: نسبة إلى جريمل: بلد قرب سدوس أول بلاد اليمامة من جهة الغرب وكان وصوله إلى اليمن لطلب تحقيق مسألة جرت بينه وبين الشيخ: محمد بن عبد الوهاب في تكفير من دعا الأولياء والشيخ يكفر من فعل ذلك ومن شك في كفره ويجاهد من خالفه وكان سبب وصوله إلى اليمن: أنه سمع قصيدة لشيخنا السيد العلامة: محمد بن إسماعيل الأمير كتبها إلى الشيخ: محمد بن عبد الوهاب وللشيخ: مربد عليها جواب صغير ولم يكن يتعاطى فيها الشعر قط فهذا كلام إمام ذلك الزمان في تحقيق مذهب الشيخ: محمد بن عبد الوهاب النجدي من قبل أن يولد أكثر هذه الطبقة التي نحن فيها. انتهى. حاصله.
ثم رد في هذه الرسالة عليه بعض عقائده ومسائله:
وأما السيد العلامة: محمد بن إسماعيل الأمير فعبارته في شرح قصيدة مذكورة له الموسوم: بمحو الحوبة في شرح أبيات التوبة لما بلغت هذه الأبيات نجدا يعني القصيدة الأولى وصل إلينا بعد أعوام من بلوغها رجل عالم يسمى: الشيخ: مربد بن أحمد التميمي وكان وصوله في شهر صفر سنة 1170، وأقام لدينا ثمانية أشهر وحصل بعض كتب شيخ الإسلام: ابن تيمية والحافظ: ابن القيم بخطه وفارقنا في عشرين من شوال 1120، راجعا إلى وطنه وكان من تلاميذ الشيخ: محمد بن عبد الوهاب الذي وجهنا إليه الأبيات فأخبرنا ببلوغها ولم يأت بجواب عنها وكان قد تقدمه في الوصول إلينا بعد بلوغها الشيخ الفاضل: عبد الرحمن النجدي ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكرها عليه من: سفك الدماء ونهبه الأموال وتجاربه على قتل النفوس ولو بالاغتيال وتكفيره الأمة المحمدية في جميع الأقطار فبقي معنا تردد فيما نقله الشيخ: عبد الرحمن حتى وصل الشيخ: مربد وله نباهة ووصل ببعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في: وجه تكفير أهل الإيمان وقتلهم ونهبهم وحقق لنا أحواله وأفعاله وأقواله فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا ولم يمعن النظر ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية ويدله على العلوم النافعة ويفقهه فيها بل طالع بعضا من مؤلفات الشيخ: أبي العباس ابن تيمية ومؤلفات تلميذه: ابن القيم الجوزية وقلدهما من غير إتقان مع أنهما يحرمان التقليد.
ولما حقق لنا أحواله ورأينا في الرسائل أقواله وذكر لي أنه: إنما عظم شأنه بوصول الأبيات التي وجهناها إليه وأنه يتعين علينا نقض ما قدمناه وحل ما أبرمناه وكانت هذه الأبيات قد طارت كل مطار وبلغت غالب الأقطار وأتتنا فيها جوابات من مكة – المشرفة – ومن البصرة وغيرهما إلا أنها جوابات خالية عن الإنصاف ولما أخذ علينا الشيخ: مربد ذلك تعين علينا لئلا نكون سببا في شيء من هذه الأمور التي ارتكبها ابن عبد الوهاب – المذكور – كتبت أبياتا وشرحتها وأكثرت من النقل عن ابن القيم وشيخه لأنهما عمدة الحنابلة. انتهى. كلام السيد – رحمه الله تعالى.
وقد وقفت على هذا الشرح وهو عندي موجود ألفه السيد المؤلف في سنة 1170، ثم وقفت لهذا العهد على كتاب: رد المحتار وحاشية الدر المختار للسيد: محمد أمين بن عمر المعروف: بابن العابدين بمصر حالا وكان في سنة 1249، ما لفظه:
كما وقع في زماننا في أتباع ابن عبد الوهاب الذي خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف. انتهى.
هذا وقد وقفت على رسائل للشيخ: محمد بن عبد الوهاب منها: كتاب النبذة في معرفة الدين الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار وكتاب التوحيد المشتمل على مسائل من هذا الباب أوله: قول الله – عز وجل-: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وليس لهذا الكتاب ديباجة بل يذكر فيه الآيات والأحاديث ثم يقول فيه مسائل وكتاب في مسائل خالف فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما عليه أهل الجاهلية من أهل الكتاب وغيرهم وهو مختصر في نحو كراسة.
وكتاب كشف الشبهات في بيان التوحيد وما يخالفه والرد على المشركين.
ورسالة: أربع قواعد من قواعد الدين في نحو ورقة. وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
و: كتاب في تفسير شهادة: أن لا إله إلا الله.
وكتاب: تفسير سورة الفاتحة.
ورسالة: في معرفة العبد ربه ودينه ونبيه.
ورسالة: في بيان التوجه في الصلاة ورسالة: في معنى: الكلمة الطيبة أيضا.
ورسالة: في تحريم التقليد.
وهذا جل ما وقفت عليه من تواليفه إلى الآن وفيها ما يقبل ويرد وعلى كتابه التوحيد شرح مبسوط مفيد للشيخ العالم العلامة مفتي الديار النجدية: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب حفيد المؤلف سماه: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد ولقبه: قرة عين الموحدين في تحقيق دعوة المرسلين.
ذكر فيه أنه تصدى لشرحه حفيده: الشيخ: سليمان بن عبد الله فوضع عليه شرحا أجاد فيه وأفاد وأبرز فيه من البيان ما يجب أن يطلب منه ويراد وسماه: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ولما قرأت شرحه رأيته أطنب في مواضع وفي بعضها تكرار يستغنى بالبعض منه عن الكل ولم يكمله فأخذت في تهذيبه وتقريبه وتكميله وربما أدخلت فيه بعض النقول المستحسنة تتميما للفائدة وسميته: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد.
ولأتباعه أيضا رسائل منها:
الرسالة الدينية في معنى الإلهية للشيخ: عبد العزيز بن محمد بن سعود قال فيها: من عبد العزيز إلى من يراه من العلماء والقضاة في الحرمين الشريفين والشام ومصر والعراق وسائر علماء الغرب والشرق سلام عليكم ورحمة الله بركاته أما بعد... الخ.
ولما أراد الثويني – وهو رئيس بدوان العراق – أن يقدم على سعود بن عبد العزيز – المذكور – وقدم عليه في جيش عظيم فتلقاه رجل يقال له: طعيس فقتله وأغار سعود على جيشه فأخذهم وغنمهم فقال الشيخ العلامة: حسين بن غنام يهنيه بذلك:
تلألأ نور الحق وانصدع الفجر ** وديجور ليل الشرك مزقه الظهر

وشمس الأماني أشرقت في سعودها ** ولاح بأفق السعد نجمه الزهر

وهي قصيدة طويلة حسنة ألفها في سنة 1217.
ثم وقفت بعد ذلك كله في سنة 1285، حين السفر إلى الحرمين الشريفين على رسالة للشيخ العالم: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – إمام الوهابية – ذكر فيها ما لفظه:
وبعد فإنا معاشر موحدون لما من الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرفة نصف النهار يوم السبت ثامن شهر المحرم سنة 1218، بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو: سعود – حماه الله – وقد كان أمراء الحج وأمير مكة على القتال والإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم فتفرقوا شذر مذر كل واحد يعد الإياب غنيمة وبذل الأمير الأمان لمن بالحرم الشريف ودخلنا بالتلبية آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين غير خائفين من أحد من المخلوقين بل من {مالك يوم الدين} إلى قوله: ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد وعرض الأمير – عافاه الله – على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم عليه قال: ثم دفعت إليهم الرسائل المؤلفة للشيخ: محمد في التوحيد واختصر من ذلك رسالة للعوام. انتهى.
وفي هذه الرسالة أنكر كثيرا مما ينسب إليه من المسائل والأقوال المخالفة لصحاح الكتب وللشيخ المحدث العلامة: محمد بن ناصر الحازمي: رسالة في المشاجرة مع أهل مكة المشرفة في المسائل التي اختلف فيها الوهابية وغيرهم أنصف في هذه الرسالة غاية الإنصاف وأتى بما يقضي منه العجب العجاب وله:- رحمه الله تعالى – رسالة أخرى في إثبات الصفات قال في مطاويها: قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب وإن عقيدته وعقيدة أتباعه هي عقيدة السلف الماضيين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة الدين. انتهى.
وقال فيها في موضع آخر: إن هذا الاعتقاد الذي حكيناه عن: محمد بن عبد الوهاب وأتباعه – يعني: في آيات الصفات وإجرائها على الظاهر – هو الاعتقاد والحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وكلام الصحابة وسائر الأمة... إلى آخر ما ذكره.
وبالجملة: فالشيخ: محمد بن عبد الوهاب ممن اختلف فيه اعتقاد الناس فمنهم: من أثنى عليه في كل ما قاله ووضعه ونشره ودعا إليه وقاتل عليه وانتصر له وافتخر بالانتساب إليه وإلى طريقته.
ومنهم: من أساء الظن به كل الظن ورد عليه كل نقير وقطمير اختاره وذهب إليه وكفره وبدعه.
ومنهم: من سلك سبيل الإنصاف وترك – خشية الله تعالى – القول باعتساف فقبل من أقواله ما كان صوابا ورد ما خالف منها سنة وكتابا ولعمري هذا هو الطريق السوي والصراط المستوي وهو الذي درج عليه أئمة الأمة وسلفها عند اختلاف الناس وتنازعهم في الدين وقضوا بذلك وبه كانوا يعدلون بين المسلمين ومن حاد عن طريقهم وشذ عن فريقهم فهو على شفا حفرة من النار ولا عبرة بالعامة بل ولا بالخاصة في نصرة من أحبوه وحط من أبغضوه لأن ذلك دأب أكثر الناس في غالب الأمصار والأعصار إلا من عصمه الله ووفقه للنصفة والاعتبار – والله أعلم بالصواب.

.محمد بن علي بن محمد الشوكاني:

شيخنا الإمام العلامة الرباني والسهيل الطالع من القطر اليماني إمام الأئمة ومفتي الأمة بحر العلوم وشمس الفهوم سند المجتهدين الحفاظ فارس المعاني والألفاظ فريد العصر نادر الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة الزمان ترجمان الحديث والقرآن علم الزهاد أوحد العباد قامع المبتدعين آخر المجتهدين رأس الموحدين تاج المتبعين صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها قاضي الجماعة شيخ الرواية والسماعة عالي الإسناد السابق في ميدان الاجتهاد على الأكابر الأمجاد المطلع على حقائق الشريعة ومواردها العارف بغوامضها ومقاصدها.
قال القاضي العلامة: عبد الرحمن بن أحمد البهكلي في كتابه: نفح العود في أيام الشريف حمود: كان مولد شيخنا الشوكاني يوم الإثنين الثامن والعشرين من ذي قعدة الحرام سنة اثنتين وسبعين بعد مائة وألف – كما أخبرني بذلك – في بلده: هجرة شوكان ونشأ على العفاف والطهارة وما زال يجمع النشأ ويحرز المكرمات له قراءة على والده ولازم إمام الفروع في زمانه القاضي: أحمد بن محمد الحرازي وانتفع به في الفقه.
وأخذ النحو والصرف عن السيد العلامة: إسماعيل بن حسن والعلامة: عبد الله بن إسماعيل النهمي والعلامة: القاسم بن محمد الخولاني وأخذ علم البيان والمنطق والأصلين عن العلامة: حسن بن محمد المغربي والعلامة: علي بن هادي عرهب ولازم في كثير من العلوم مجدد زمانه السيد: عبد القادر بن أحمد الحسني الكوكباني.
وأخذ في علم الحديث عن الحافظ: علي بن إبراهيم بن عامر وغير ذلك من المشائخ في جميع العلوم العقلية والنقلية حتى أحرز جميع المعارف واتفق على تحقيقه المخالف والموالف وصار مشارا إليه في علوم الاجتهاد بالبنان والمجلي في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان.
له المؤلفات في أغلب العلوم:
ومنها: كتاب: نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار لجد ابن تيمية – رحمه الله – في أربع مجلدات كبار لم تكتحل عين الزمان بمثله في التحقيق أعطى فيه المسائل حقها في كل بحث على طريق الإنصاف وعدم التقيد بمذهب الأسلاف وتناقله عنه مشائخه فمن دونهم وطار في الآفاق في حياته وقرئ عليه مرارا وانتفع به العلماء وكان يقول: إنه لم يرض عن شيء من مؤلفاته سواه لما هو عليه من التحرير البليغ وكان تأليفه في أيام مشائخه فنبهوه على مواضع منه حتى تحرر.
وله التفسير الكبير المسمى: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من التفسير وقد سبقه إلى التأليف في الجمع بين الرواية والدراية العلامة: محمد بن يحيى بن بهران فله تفسير في ذلك عظيم لكن تفسير شيخنا أبسط وأجمع وأحسن ترتيبا وترصيفا وقد ذكر الحافظ السيوطي في الإتقان: أنه جعله مقدمة لتفسير جامع للدراية والرواية سماه: مطلع البدرين ومجمع البحرين.
وله: مختصر في الفقه على مقتضى الدليل سماه: الدرر البهية في المسائل الفقهية وشرحه شرحا نافعا سماه: الدراري المضيئة أورد فيه الأدلة التي بنى عليها ذلك المؤلف.
وله: وبل الغمام حاشية على شفاء الأوام للأمير: حسين بن محمد الإمام.
وله: در السحابة في مناقب القرابة والصحابة.
وله: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
وله: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول يعز نظيره وترصيفه وحسن ترتيبه وتصنيفه.
وله: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار كان تأليفه في آخر مدته ولم يؤلف بعده شيئا – فيما أعلم – وقد تكلم فيه على عيون من المسائل وصحح من المشروع ما هو مقيد بالدلائل وزيف ما لم يكن عليه دليل وحسن العبارة في الرد والتعليل.
والسبب في ذلك: أنه نشأ في زمنه جماعة من المقلدة الجامدين على التعصب في الأصول والفروع ولم تزل المصاولة والمقاولة بينه وبينهم دائرة ولم يزالوا ينددون عليه في المباحث من غير حجة فجعل كلامه في ذلك الشرح في الحقيقة موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم وإيقاظهم إلى النظر في الدليل لأنه يرى تحريم التقليد وقد ألف في ذلك رسالة سماها: القول المفيد في حكم التقليد وقد تحاماه لما حواه جماعة من علماء الوقت وأرسل إليه أهل جهته بسببه سهام اللوم والمقت وثارت من أجل ذلك فتنة في صنعاء بين: من هو مقلد وبين من هو مقتد بالدليل توهما من المقلدين أنه ما أراد إلا هدم مذهب أهل البيت لأن الإزهار هو عمدتهم في هذه الأعصار وعليه في عبادتهم والمعاملة على المدار وحاشاه من التعصب على من أوجب الله تعالى محبتهم وجعل أجر نبينا – صلى الله عليه وسلم – في تبليغ الرسالة مودتهم لأن له الولاء التام لهم وقد نشر محاسنهم في مؤلفه: در السحابة بما لم تخالج بعده ريبة لمرتاب على أن كلامه مع الجميع من أهل المذاهب سواء بسواء لأن المأخذ واحد والرد واحد والخطب يسير والخلاف في المسائل العلمية الظنية سهل لأنها مطارح أنظاره والاجتهاد يدخلها والمصيب من المجتهدين في ذلك له أجران والمخطي له أجر وهذا شأن أهل العلم في كل زمان ومكان ما بين راد ومردود عليه وكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا صاحب العصمة عليه – أفضل الصلاة والتسليم-.
ومن طالع الكتب الإسلامية في الفروع والأصول على اختلاف أنواعها عرف ذلك وهان عليه سلوك هذه المسالك ومن وزن الأمور بالإنصاف لا تخفى عليه الحقيقة ومن جمد على التقليد وضاق عطنه عن مدارك الاستدلال فما له والاعتراض على المجتهدين ولا ينبغي أن يضائق المجتهد في اجتهاده لأجل توقفه في موقفه الذي هو: التقليد وقد تفضل الله عليه بالاجتهاد والتقليد لا يجوز إلا لغير المجتهد والاجتهاد غير متعذر ومن اعترض على المجتهد فيما أدى إليه اجتهاده فقد تحجر الواسع وجرى على خلاف نهج السلف من أهل العلم.
نعم أنا قد حبرت مقاصد السيل الجرار في مؤلف سميته: نزهة الأبصار وهو واف بالمقصود من إيراد تلك الأدلة من غير تعرض لما يقع به بسط الألسنة من الناس وللمترجم له: تاريخ حافل سماه: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع جرى فيه من ذلك الوقت إلى زمانه.
وابتدأ فيه بذكر عابد اليمن: إبراهيم الولي المشهور وله جملة رسائل من مطولات ومختصرات وقد جمعت فتاواه ورسائله فجاءت في مجلدين وسماها ابنه العلامة: علي بن محمد: بالفتح الرباني وله في الأدب اليد الطولى وله أشعار كثيرة مدونة قد رتبها ابنه المذكور على حروف المعجم فجاءت في ديوان وقد أخذت عنه في كثير من الفنون العلمية وأخذت عنه غالب مؤلفاته وبموته أطفئ على أهل اليمن مصباحهم المنير ولا أظن يرون مثله في تحقيقه للعلوم والتحرير وقد جرت بيني وبينه مكاتبة أدبية ومراسلة لمسائل علمية هي عندي مثبتة بخطه.
وعلى الجملة: فما رأى مثل نفسه ولا رأى من رأى مثله علما وورعا وقياما بالحق بقوة جنان وسلاطة لسان.
وقد أفرد ترجمته تلميذه الأديب: محمد بن حسن الجني الذفاري بمؤلف قصره على ذكر مشائخه وتلامذته وسيرته وما انطوت عليه شمائله وما قاله من شعر وما قيل فيه جاء في مجلد ضخم.
وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة في سنة خمسين بعد المائتين والألف وقد كان توفي قبله بمدة يسيرة ابنه العلامة: علي بن محمد وهو أحد محققي العلماء وممن لازم والده في جميع المعارف حتى بلغ ذروة العلوم تحقيقا وتدقيقا وقد شاركته في الأخذ على والده في كثير من مقروءاته وقد كنت قلت في والده مراثي لولا الإطالة لذكرتها. انتهى. كلامه – رحمه الله تعالى – بلفظه ومعناه مع التلخيص.
قلت: ووجدت على ظهر كتابه: الدراري المضية أن مولده – رضي الله عنه – كان عام سبع وسبعين ومائة وألف وقلد ولاية القضاء من جهة الإمام: المنصور بالله علي بن العباس في أوائل شهر شعبان سنة 1229، وتوفاه الله تعالى يوم الأربعاء في السادس والعشرين من جمادى الآخرة من شهور سنة 1250، وكان بين وفاته ووفاة ولده: علي بن محمد نحو شهر وكان قد توفاه الله قبله ولم يظهر والده جزعا ولا حزنا وكان ولدا صالحا عالما مبرزا في جميع العلوم وكان نادرة وقته على صغر سنه قيل: إنه توفي وهو في حدود العشرين – رحم الله الجميع برحمته – ثم ذكر له تصانيف عددها: ثلاثة وخمسون كتابا سماها بأسمائها.
قال السيد الجليل العلامة: عبد الرحمن بن سليمان ابن يحيى بن عمر مقبول الأهدل – رحمه الله – في كتابه المسمى: بالنفس اليماني والروح الريحاني في إجازة قضاة بني الشوكاني ما عبارته:
وممن تخرج بسيدي الإمام: عبد القادر بن أحمد الحسني إمام عصرنا في سائر العلوم وخطيب دهرنا في إيضاح دقائق المنطوق والمفهوم الحافظ المسند الحجة الهادي في إيضاح السنن النبوية إلى المحجة عز الإسلام: محمد بن علي الشوكاني – بلغه الله في الدارين أقصى الأماني-:
إن هز أقلامه يوما ليعلمها ** أنساك كل كمي هز عامله

وإن أقر على رق أنامله ** أقر بالرق كتاب الأنام له

ولقد منح رب العالمين من بحر فضله الواسع هذا القاضي الإمام ثلاثة أمور لا أعلم أنها في هذا الزمان الأخير جمعت لغيره:
الأول: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها.
الثاني: سعة التلاميذ المحققين والنبلاء المدققين أولي الأفهام الخارقة والفضائل الفائقة الحقيق أن ينشد عند حضور جمعهم الغفير ومشاهدة غوصهم على جواهر المعاني التي استخراجها من بحر الحقائق غير يسير:
إني إذا حضرتني ألف محبرة ** تقول: أخبرني هذا وحدثني

صاحت بعقوتها الأقلام ناطقة: ** هذي المكارم لا قعبان من لبن

الثالث: سعة التأليف المحررة والرسائل والجوابات المحبرة التي تسامى في كثرتها الجهابذة الفحول وبلغ من تنقيحها وتحقيقها كل غاية وسول وقد ذكر لي بعض المعتمدين مؤلفاته الحاصلة الآن: مائة وأربعة عشر مؤلفا عدد سور كتاب الله تعالى قد شاعت في الأمصار الشاسعة فضلا عن القريبة ووقع بها غاية الانتفاع والله عز وجل المسؤول أن يبارك للإسلام والمسلمين في أوقاته وأن يمتع بحياته آمين ثم آمين:
كلنا عالم بأنك فينا ** نعمة ساعدت بها الأقدار

فوقت نفسك النفوس من بشر ** وزيدت في عمرك الأعمار

وقد اعتنى بشرح مناقبه وفضائله عدة من العلماء والأعلام والجهابذة الفخام منهم: السيد العلامة: إبراهيم بن عبد الله الحوثي.
ومنهم: بعض علماء كوكبان عظماء القدر كبراء الشأن.
ومنهم: السيد العلامة: محمد بن محمد الديلمي.
ومنهم: القاضي العلامة: محمد بن حسن الجني الذماري في كتاب حافل سماه: التقصار في جيد زمن علامة الأمصار.
ومنهم: الحبر العلامة والبحر الفهامة لطف الله جحاف.
وبالجملة: فمحل القول في هذا الإمام ذو سعة فإن وجدت لسانا قائلا فقل:
زد في العلا مهما تشا رفعة ** وليصنع الحاسد ما يصنع

فالدهر نحوي كما ينبغي ** يدري الذي يخفض أو يرفع

والله المسؤول أن يزيده مما أولاه وأن يصلح لكل منا آخره وأولاه فضلا من رب العالمين وكرما منه – سبحانه – اللهم آمين. انتهى. كلامه – رحمه الله-.
وللمترجم له كتاب: إتحاف الكابر بإسناد الدفاتر ذكر فيه مشائخه الأعلام وأسماء كتبه المقروءة والمسموعة ومروياته على التمام فمن شاء الزيادة فعليه بالكتاب المذكور فإن النظر فيه يقضي العجب العجاب وهذا الذي ذكرناه في هذا الكتاب قطرة من بحر فضائله التي لا تحصى وذرة من وادي فواضله التي لا تستقصى تشهد بذلك مؤلفاته وتنطق به مصنفاته – والله يختص برحمته من يشاء – وهو الذاب عن شريعة الإسلام باللسان والقلم والمناضل عن الدين النبوي وكم أبدى الحكم ولا عبرة بمن يرميه بما ليس فيه أو ينسبه بمجرد الهوى لقول غير وجيه فلم يضره قول الطاعن عن الحاسد والباغي الجاحد:
وما ضر نور الشمس إن كان ناظرا ** إليها عيون لم تزل دهرها عميا

غير أن الحسد يحمل صاحبه على اتباع هواه وأن يتكلم فيمن يحسده وبما يلقاه وما أحقه بقول القائل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا علمه ** فالقوم أعداء له وخصوم

فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور نفوسنا وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله وقد روي عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – أنه قال: كان الناس ورقا لا شوك فيه فصاروا اليوم شوكا لا ورق فيه فهذا زمان أبي ذر فما ذاك من زماننا وبأشراره؟:
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا ** شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا

فالمناسب جمع الخاطر عن علماء الوقت ورفع الهمة عنهم والقناعة بمن مضى من علماء السنة المطهرة واقتصار النظر في كتبهم المحققة.
هذا وله – رحمه الله تعالى – مؤلفات مفيدة في فنون عديدة والتي وقفت عليها وهي عندي موجودة أيضا كثيرة جدا غير ما ذكر.
منها: كتاب آداب الطلب ومنتهى الأدب.
والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة.
وإتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
وتحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين.
وإرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات ردا على موسى بن ميمون الأندلسي اليهودي في ظاهر المستند والزنديق في باطن المعتقد.
والطود المنيف في الانتصاف للسعد على الشريف في المسألة المشهورة التي تنازعا فيها بين يدي تيمورلنك.
وشفاء العلل في زيادة الثمن لمجرد الأجل.
وشرح الصدور في تحريم رفع القبور.
وطيب النشر في المسائل العشر جواب على القاضي: عبد الرحمن.
ورسالة: أجاب بها على الشريف: إبراهيم بن أحمد ابن إسحاق.
ومنها: الصوارم الهندية المسلولة على الرياض الندية لإبطال قول من أوجب غسل الفرجين.
ورسالة: في اختلاف العلماء في تقدير النعاس.
ورسالة: في الرد على القائل بوجوب التحية.
والقول الصادق في حكم الإمام الفاسق.
ورسالة: في حد السفر الذي يجب معه قصر الصلاة.
وله: تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع.
والرسالة المكملة في أدلة البسملة.
وإطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال.
ومنها: رسالة: في الطلاق البدعي يقع أم لا؟
ورسالة: الطلاق لا يتبع الطلاق.
ورسالة: في إرضاع الكبير هل يقتضي التحريم أم لا؟
ورسالة: تنبيه ذوي الحجا على حكم بيع الرجا.
ورسالة: القول المحرر في لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر.
وعقود الزبرجد في جيد مسائلا علامة ضمد.
ورسالة: إبطال دعوى الإجماع على تحريم السماع.
ورسالة: زهر النسرين في حديث المعمرين الفائح بفضائل العمرين.
وإتحاف المهرة في الكلام على حديث: لا عدوى ولا طيرة.
وعقود الجمان في بيان حدود البلدان.
وأخرى سماها: إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقود الجمان ردا على السيد العلامة: حسين بن يحيى الديلمي.
ورسالة: حل الإشكال في أجياد اليهود على التقاط الأزبال وأخرى: ردا على مناقضها السيد العلامة: عبد الله بن عيسى بن محمد الكوكباني التي سماها: إرسال المقال على إزالة حل الإشكال فرد شيخ الإسلام على تعقبه: بتفويق النبال إلى إرشاد المقال.
ورسالة: البغية في مسألة الرؤية.
والتشكيك على التفكيك.
وإرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي.
ورسالة: رفع الجناح عن نافي المباح هل هو مأمور به أم لا؟
والعقد الثمين في إثبات وصاية أمير المؤمنين.
والقول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول.
وجواب السائل في جواب: والقمر قدرناه منازل.
وأمنية المتشوق إلى معرفة حكم المنطق.
وإرشاد المستفيد إلى دفع كلام ابن دقيق العيد في الإطلاق والتقييد.
والبحث الملم المتعلق بقوله تعالى: إلا من ظلم.
والبحث المسفر عن تحريم كل مسكر.
وله: الدواء العاجل لدفع العدو الصائل.
ورسالة عجيبة: في رفع المظالم والمآثم.
والدرر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد.
ورسالة في وجوب التوحيد.
والمقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على الدار الآخرة.
ونزهة الأحداق في علم الاشتقاق.
ورفع الريبة فيما يجوز ولا يجوز من الغيبة.
وتحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل.
وكشف الأستار عن حكم الشفعة بالجوار.
وإشراق النيرين في بيان الحكم: إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين.
ورسالة التسعير.
وكتاب: نثر الجوهر في شرح حديث أبي ذر.
ورسالة: في التحلي بالذهب للرجال.
ورسالة: منحة المنان في أجرة القاضي والسجان.
ورسالة: في مسائل العول.
ورسالة: تنبيه الأمثال على عدم جواز الاستعانة من خالص المال.
ورسالة: في الاتصال بالسلاطين.
وقطر الولي في معرفة الولي.
والتوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح.
ورسالة: جيد النقد في عبارة الكشاف والسعد.
وبغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد.
والروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع.
وفتح الخلاق في جواب مسائل عبد الرزاق إلى غير ذلك.
وأما الأبحاث التي اشتمل عليها كتابه: الفتح الرباني وغيره فهي كثيرة جدا لا يسعها هذا المقام.
وكل بحث منها: كالرسالة في بابه وقد وقفت على أكثرها – بحمد الله تعالى – وانتفعت به نفعا عظيما صلح به قلبي وجسدي – وبالله التوفيق وهو المستعان.

.الشيخ العلامة القاضي: حسين بن محسن الأنصاري.

ابن محمد بن مهدي بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن عثمان بن محمد بن عمر بن محمد بن حسين ابن إبراهيم بن إدريس بن تقي الدين بن سبيع بن عامر ابن غبشة بن ثعلبة بن غبشة بن عوف بن مالك بن عمر بن كعب بن الخزرج بن قيس بن سعد بن عبادة ابن دلهم بن حارثة بن خزام بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الخزرجي الأنصاري.
كانت ولادة شيخنا: الحسين في شهر جمادى الأولى سنة 1245 ولما بلغ ثلاث عشرة سنة من العمر توجه إلى قرية المراوعة لتحصيل طلب العلم على يد شيخه ومربيه شرف الإسلام وحسنة الليالي والأيام ذي المنهج الأعدل السيد: حسن بن عبد الباري الأهدل فأقام بها ثمان سنين مشتغلا بالطلب في التفسير والحديث والنحو والفقه على شيخه الموصوف وحصلت له منه الإجازة والإسناد كما ذلك معروف ومشهور وأخذ أيضا على أخيه وشقيقه الكبير القاضي العلامة: محمد بن محسن الأنصاري فقرأ عليه صحيح البخاري قراءة بحث وتحقيق من أوله إلى آخره وفي كثير من علوم الحديث والفقه والفرائض وغيرها والشيخ: محمد بن محسن – المذكور – من الآخذين على شيخه السيد: حسن بن عبد الباري أيضا وحصلت للشيخ: حسين – المذكور – الإجازة العامة وأيضا الملاقاة بشيخه القاضي العلامة: أحمد بن محمد بن علي الشوكاني في بندر الحديدة وأجازه إجازة عامة بجميع مروياته ومسموعاته وبشيخه الإمام العلامة الشريف: محمد بن ناصر الحازمي بمكة المشرفة في سنوات عديدة وقرأ عليه الأمهات الست قراءة بحث وتحقيق ومسند الدارمي وأوائل الشيخ: محمد سعيد سنبل المدني وشمائل الإمام الترمذي وإجازة بجميع مروياته ومسموعاته إجازة عامة – كما هي موجودة بخطه الشريف.
ورحل إلى مدينة بيدر وأخذ بها على شيخه السيد العلامة: نفيس الدين سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل – مفتي مدينة زبيد حالا عافاه الله تعالى – وقرأ عليه أوائل الأمهات وحصل له الإجازة منه بجميع مروياته ومسموعاته – كما هي موجودة بخطه الشريف-.
هذا والشيخ: حسين بن محسن شيخنا في العلوم الحديثة أخذت عليه أكثر الأمهات الست وغيرها وأجازني بها إجازة عامة تامة – كما هي موجودة عندنا بخطه الشريف – مكتوبة في: سلسلة العسجد في ذكر مشائخ السند وقرأ عليه أيضا: ثمرة الفؤاد ونخبة المراد الولد نور الحسن – بارك الله له وعليه – وفيه الكتب الحديثة وحصل له منه الإجازة بجميع مروياته ومسموعاته وكتب له الإجازة بخطه الشريف وكم له من تلامذة في بلدتنا بهوبال المحمية وهو الغنيمة الكبرى للطالبين والنعمة العظمى للراحلين.
كان فيما مضى قاضيا ببلدة اللحية: من بلاد اليمن وهو في الحال نزيل بهوبال ومدرس المدرسة الرياسية يدرس ويفيد.
له علم نافع وعمل صالح وفكرة صحيحة وهمة في إشاعة علم الحديث رفيعة ولقاء مبارك جاءنا بمؤلفات علماء اليمن الميمون وأمطر علينا نفائس الكتب كالغيث الهتون كم قد ذهب في طلب كتب الحديث لنا إلى أرض الحجاز وغيرها ورجع من هناك برسائل نفيسة ومجاميع عزيزة وكتب الشروح والمتون ودواوين العلوم على الحقيقة دون المجاز – أحسن الله إليه كما أحسن إلي وتفضل علي – وقد بذلنا في تحصيل هذه الكتب وتلك الصحف مالا جما وجمعناها على يده من بلاد شتى: نحو صنعاء وزبيد وأبي عريش واليمن والحديدة والبصرة ومصر والحرمين الشريفين وهو – عافاه الله تعالى – صرف همته العليا في إشاعة مؤلفاتنا أيضا حتى بلغ بها إلى أقصى اليمن وأبلغها إلى الأماكن البعيدة سوى ما سارت بها الركبان إلى بلاد الله تعالى من هذه البلدة ومن مكة المشرفة – ولله الحمد كل الحمد والمنة.